الشيخ ابراهيم الأميني
153
تزكية النفس وتهذيبها
عندما يلتفت إلى عظمة وجمال وكمال اللّه اللامتناهي ، ويقف على ضعفه وعجزه وقصوره عن الوصول إلى ذلك المقام يخنق قلبه بشدة وألم ، يسيطر عليه الخوف والرعب ، فيلجأ للبكاء والتضرع والتوسل ، وهذا مقام يطلق عليه مقام الخوف ، وهكذا فيما يتعلق بسائر المقامات ، هنيئا لأهلها . من الأفضل لي أنا الأسير لهوى النفس ، المسجون في ظلمات الماديات ، والمحروم من نيل المقامات المعنوية ، أن لا أضع قدمي في هذا البحر الهادر الذي لا حد له ، فلأدع شرح هذه المقامات العالية والشامخة لأهلها ، لأنه لا يمكن لمن لم يذق طعم المحبة والأنس واللقاء أن يشرحها : « أحب الصالحين ولست منهم ، اللهم ارزقنا حلاوة ذكرك واجعلنا من أهله » . . . . الأفضل لنا أن سمع الكلام من أهله ، مما كتبه الفيلسوف العظيم والعارف الرباني صدر الدين الشيرازي هذا المقطع : إذا شملت أشعة أنوار رحمة اللّه العبد ، استيقظ من سبات الجهل والطبيعة ، وأدرك وجود عالم آخر في ما وراء عالم المحسوسات ، وأنه توجد لذّات أخرى أرفع من اللذات الحيوانية ، عندها ينصرف عن الاشتغال بالأمور الباطلة التي لا قيمة لها ، ويعود إلى اللّه تائبا من ارتكاب الذنوب ، فيبدأ بالتدبر في الآيات الإلهية وبالاستماع إلى المواعظ الربانية ، والتأمل في أحاديث النبي الأكرم ، والعمل بمقتضى الشريعة ، وكي ينال الكمالات الأخروية يرفع يديه عن فضولات الدنيا من قبيل الجاه والمال وغير ذلك ؛ وإذا شملته العنايات الإلهية أكثر صمم بجد على الانقطاع عن غير اللّه ، وسار نحوه ، فترك موطن النفس ومقام الهوى وارتقى نحو اللّه . عندها تتجلى له أشعة أنوار الملكوت ، ويفتح له باب من عالم الغيب ، وشيئا فشيئا تظهر له صفحات من عالم القدس ، فيشاهد أمورا غيبية في صورة مثال ؛ عندما يشعر بلذة مشاهدة الأمور الغيبية تنشأ فيه حالة حب للخلوة والانزواء ودوام الذكر ، يفرغ قلبه من المشاغل الحسية ويتوجه نحو اللّه بكامل وجوده ؛ عندها تفاض عليه العلوم اللدنية بالتدريج ، وتظهر له الأنوار المعنوية شيئا فشيئا ، حتى تتمكن وتتحقق بصورة كاملة ؛ ويزول التلون والتغير عنه وتنزل عليه السكينة والهدوء ؛ عندها يدخل إلى عالم الجبروت ويشاهد العقول المفارقة ؛ يتحقق